قال ابن القيم ــ رحمه الله ــ :
[كمال الإنسان مداره على أصلين : معرفة الحق من الباطل ،وإيثار الحق على الباطل وما تفاوتت منازل الخلق عند الله تعالى فى الدنيا والآخرة ؛ إلا بقدر تفاوت منازلهم فى هذين الأمرين وهما اللذان أثنى الله سبحانه على أنبيائه ــ عليهم الصلاة والسلام ــ فى قوله تعالى : (( واذكر عبادنا إبراهيم و إسحاق ويعقوب أولى الأيدى والأبصار ))
فالأيدى :القوة فى تنفيذ الحق ، والأبصار : البصائر فى الدين،فوصفهم بكمال إدراك الحق،وكمال تنفيذه،وانقسم الناس فى هذا المقام أربعة أقسام ، فهؤلاءأشرف الأقسام من الخلق، و اكرمهم على الله تعالى .
القسم الثانى :عكس هؤلاء ، من لابصيرة له فى الدين ،ولا قوة على تنفيذ الحق ، وهم أكثرهذا الخلق وهم الذين رؤيتهم قذى العيون ، وحُمِّى الأرواح ، وسقم القلوب ،يضيقون الديار و يغلون الأسعار ، ولا يُستفاد من صحبتهم إلا العار والشنار .
القسم الثالث : من له بصيرة فى الهدى ومعرفة به ، ولكنه ضعيف لا قوة له على تنفيذه ، ولا الدعوةِ إليه ، وهذا حال المؤمنِ الضعيف ، والمؤمنُ القوى خير و أحب إلى الله منه .
القسم الرابع : من له قوة وهمة وعزيمة ، لكنه ضعيف البصيرة فى الدين ، لايكاد يميز أولياء الرحمن و أولياء الشيطان ، بل يحسب كل سوداء تمرة ، وكل بيضة شحمة ، يحسب الورم شحماً ، والدواء النافع سمًّا .
وليس فى هؤلاء من يصلح للإمامة فى الدين ، ولا هوموضع لها سوى القسم الأول قال الله تعالى :((وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون )) فأخبر سبحانه أنهم بالبر واليقين بآيات الله نالوا الإمامة فى الدين ، وهؤلاء هم الذين استثناهم الله سبحانه من جملة الخاسرين ، وأقسم بالعصر ــ الذى هو زمن سعى الخاسرين والرابحين ــ على أن من عداهم فهو من الخاسرين ، فقال تعالى : (( والعصر إن الإنسان لفى خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالصبر))]* اهـ .
وقال أيضا ــ رحمه الله ــ :
(فمن الناس من له القوة العلمية الكاشفة عن الطريق ومنازلها و أعلامها و عوارضها ومعاثرها،وتكون هذه القوة أغلب القوتين عليه،ويكون ضعيفا فى القوة العلمية يبصر الحقائق،ولا يعمل موجبها،ويروى المتالف والمخاوف والمعاطب،ولا يتوقاها*،فهو فقيه ما لم يحضر العمل،فإذا حضر العمل شارك الجهال فى التخلف وفارقهم فى العلم،وهذا هو الغالب،على أكثر النفوس المشتغلة بالعلم،والمعصوم من عصمة الله ولاقوةإلا بالله .
ومن الناس من تكون له القوة العملية الإرداية ، وتكون أغلب القوتين عليه،وتقتضى هذه القوة السير والسلوك والزهد فى الآخرة،والجِد والتشمير فىِ العمل،ويكون أعمى البصر عند ورود الشبهات فى العقئد،والانحرافات فى الأعمال والأقوال والمقامات،كما كان الأول ضعيف العقل عند ورود الشهوات،فداء هذا من جهله ، وداء الأول من فساد إرادته ، وضعف عقله وهذا حال أكثر أرباب الفقر والتصوف السالكين على غير طريق العلم،بل على طريق الذوق والوجد والعادة،يرى أحدهم أعمى عن مطلوبه لا يدرى من يعبد؟ولا بماذا يعبده ؟ فتارة يعبده بذوقه وَوجده ، وتارة يعبده بعادة قومه و أصحابه من لبس معين،وكشف رأس أو حلق لحية ونحوها،وتارة بعيده بالأوضاع التى وضعها بعض المتحذلقين وليس لها أصل فى الدين،وتارة يعبده بما تحبه نفسه وتهواه كائنًا ما كان،وهنا طرق ومتاهات لا يحصيها إلا رب العباد .
فهولا كلهم عمى عن ربهم وعن شريعته ودينه ، ولا يعرفون شريعته ودينه الذى بعث به رسله ، وأنزل به كتبه ، ولا يقبل من أحدٍ دينا ًسواه ، كما أنهم لا يعرفون صفات ربهم التى تعرَّف بها إلى عبادة على ألسنة رسله ، ودعاهم إلى معرفته ومحبته من طريقها،فلا معرفة له بالرب ولا عبادة له .
ومن كانت له هاتان القوتان؛استقام له سيرة إلى الله،ورجى له النفوذ،وقوى على رد القواطع والموانع بحول الله وقوته،فإن القواطع كثيرة،شأنها شديد،لا يخلص من حبائلها إلا الواحد بعد الواحد،ولولا لبقواطع وىآفات لكانت الطريق معمورة بالسالكين،ولو شاء الله لأزالها،وذهب بها،ولكن الله يفعل ما يريد،((والوقت ـــ كما قيل ـــ سيف فإن قطعته،وإلا قطعك))فإذا كان السير ضعيفا،والهمة ضيعفة،والعلم بالطريق ضعيفا،ودرك الشقاء،وشماتة الأعداءإلا أن يتداركه الله برحمة منه من حيث لا يحتسب،فيأخذ بيده و يخلصه من أيدى القواطع ، والله ولى التوفيق ) اهـ .