الهِمًّةُ مَوْلُودَةُ مَعَ اٌلآدِمىّ

قال ابن الجوزى فى : (( لفته الكبد إلى نصيحة الولد)):
(وماتقف همة إلا لخساستها ، و إلا فمتى علت الهمة فلا تقنع بالدون ، وقد عرف بالدليل أن الهمة مولودة مع الآدمى ، و إنما تقصر بعض الهمم فى بعض الأوقات ، فإذا حُثَّتْ سارت ، ومتى رأيت فى نفسك عجزاً فسل المنعم ، أو كسلاًََََََ فسل الموفق،فلن تنال خيرا إلا بطاعته، فمن الذى أقبل عليه ولم ير كل مراد؟ ومن الذى أعرض عنه فمضى بفائدة؟أو حظى بغرض من أغراضه؟ ) اهـ .
وقوله ــ رحمة الله ــ : (( و إنما تقصر بعض الهمم فى بعض الأوقات )) بسبب عجزأ و كسل ، أو ركون إلى وسوسة الشيطان،وركوب الهوى ، وتسويل النفس الأمارة بالسوء ، فهنا تحتاج الهمة إلى إيقاظ وتنبيه و تذكير برضامن تطلب ؟ وفى أى نعيم ترغب؟ ومن أى عقاب ترهب ؟ كما فعل ذلك البطل الذى لا نعرف اسمه ، لكن حسبه أن الله يعلمه ، وهو وحده الذى يثيبه :
عن عبد الله بن قيس ، أبى أمية الغفارى قال : ( كنا فى غزاة لنا ، فحضر عدوُّهم،فصِيحَ فى الناس،فهم يثوبون إلى مصافهم ، إذا رجل أمامى ، رأسُ فرسى عند عَجُز فرسه ، وهو يخاطب نفسه ويقول:((أىْ نفس ألم أشهد مشهد كذا وكذا ؟ فقلت لى : أهلُك وعيالُك فأطعتك ورجعتُ ؟ ألم أشهد مشهدكذا وكذا ؟ فقلت : أهلك وعيالك فأطعتك ورجعت؟والله لأعرضنك اليوم على الله،أخذك أو تركك))،فقلت،لأرمقنَّة اليوم، فرمقته ، فحمل الناس على عدوهم فكان فى أوائلهم ، ثم إن العدوَّ حمل على الناس فانكشفوا،فكان فى حماتهم ، ثم إن الناس حملوا ، فكان فى أوائلهم ، ثم حمل العدو ، وانكشف الناس ، فكان فى حماتهم،قال:(( فوالله ما زال ذلك دأبه حتى رأيته صريعا،فعددت به وبدابته ستين أو أكثر من ستين
طعنة))*
                               ************************************************************
                                                    لابد للسالك من’’همة تسيره ،وترقيه ،
                                                            وعلم يبصره ويهديه
قال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية ــ رحمه الله تعالى ــ :
(إن الله سبحانه وتعالى لما اقتضت حكمته ورحمته إخراج آدم وذريته من الجنة ،أعاضهم أفضل منها،وهو ما أعطاهم من عهده الذى جعله سبباً موصِّلاِّ لهم إليه،وطريقا واضحا بين الدلالة عليه ، من تمسك به ؛ فاز واهتدى،ومن أعرض عنه ؛ شقى وغوى ولما كان هذا العهد الكريم ،والصراط المستقيم و النبأالعظيم،لا يوصل إليه أبدا إلا من باب العلم و الإرادة باب الوصول إليه،والعلم مفتاح ذلك الباب المتوقف فتحه عليه، وكمال كل إنسان إنما يتم بهذين النوعين (( همة ترقية )) ،و((علم يبصره،ويهديه))، فإن مراتب السعادة والفلاح إنما تفوت العبد من هاتين الجهتين ،أو من إحداهما :
إما أن لا يكون له علم بها فلا يتحرك فى طلبها ، أو يكون عالما بها،ولا تنهض همته إليها فلا يزال فى حضيض طبعه محبوسا،وقلبه عن كماله الذى خلق له مصدودا منكوسا ،قد أسام نفسه مع الأنعام راعيا مع الهمل ، واستطاب لقيعات الراحة والبطالة ،واستلان فراش العجز والكسل،لا كمن رفع له علم فمشر إليه وبورك له فى تفرده فى طريق طلبه فلزمه، واستقام عليه قد أبت غلبات شوقه إلا الهجرة إلى الله ورسوله، ومقتت نفسه الرفقاء إلا ابن سبيل يرافقه فى سبيله.
ولما كان كمال الإرادة بحسب كمال مرادها ، وشرف العلم تابعا لشرف معلومة ،كانت نهاية سعادة العبد الذى لا سعادةله بدونها ولا حياة له إلا بها؛أن تكون إرادته متعلقة بالمراد الذى لا يبلى ولا يفوت،وعزمات همته مسافرة إلى حضرة الحى الذى لا يموت  ولا سبيل له إلى هذا المطلب الأسنى،والحظ الأوفى ؛إلا بالعلم الموروث عن عبده ورسوله وخليله وحبيبه الذى بعثه لذلك داعيا و أقامه على هذا الطريق هاديا ،وجعله واسطة بينه وبين الأنام ،وداعيا لهم بإذنه إلى دارالسلام ، و أبى سبحانه أن يفتح لأحد منهم إلا على يديه ، أو يقبل من أحد منهم سعيا إلا أن يكون مبتدئا منه ، ومنتهيا إليه ، صلى الله عليه وسلم )*اهـ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
((1)) (( صفة الصفوة )) ( 421/4).
((2)) (( مفتاح دار السعادة ، ومنشور ولاية العلم و الإرادة )) ( 59/1).
((3)) وفى الأثر : (( اللهم أرنى الحق حقا وارزقنى اتباعه، و أرنى الباطل باطلا، وارزقنى اجتنابه))،فهولاء هم الذين رزقوا علما وأعينوا بقوة العزيمة على العمل ،وهم الموصوفون فى القرآن الكريم بقوله تعالى:(( الذين آمنوا وعملوا الصالحات )) وبقوله سبحانه : (( أو من كا ميتا فأحييناه وجعلناه له نورا يمشى به فى الناس كمن مثله فى الظلمات ليس بخارج منها ))،فبالحياة تنال العزيمة،وبالنور ينال العلم ، و أئمة هذا القسم هم أولوا العزم من الرسل.