الباب الثانى (( خصائص كبير الهمة يا عالى الهمة بقدر ما تتعنى ، تنال ما تتمنى

إن عالى الهمة يجود بالنفيس والنفيس فى سبيل تحصيل غايته ، وتحقيق بغيته ، لأنه يعلم أن المكارم منوطة المكاره، وأن المصالح والخيرات ،واللذات والكمالات كلها لا تنال إلا بحظ من المشقة ، ولا يعبر إليها إلا على جسر من التعب :
  بصرت بالراحة الكبرى فلم أرها             تنـال إلا على جسر من التعـب
آخر:
  فقــل لمرجى معالــى الأمور                  بغيــر اجتهــاد : رجـوت المحـالا
آخر :
 لـولا المشقــة ســاد النـاس كلهـم               الجــود يفقــر ، و الإقــدام قتـال
آخر :
والـــذى يركـــب بحــرا سيــرى                 قحــم الأهـــوال من بعد قحــم
آخر :
الـذل فى دعـة النفـوس ولا أرى                عز المعيشـة دون أن يشقى لهـا
كان أبو موسى الأشعرى ـــ رضى الله عنه ـــ يصوم حتى يعود كالخلال ــ العود الذى يخلل به الأسنان ـــ فقيل له : (( لو أجممت نفسك ؟ )) ــ أى :تركتها تستريح ـــ فقال : (( هيهات ! إنما يسبق من الخيل المضمرة )).
وقد قيل : من طلب الراحة ، ترك الراحة .
  فيــا وصــل الحبيــب أمـا إليــه               بغيــــرمشقـــة أبـــــدا طريـــق
قال الإمام المحقق ــ رحمه الله ــ :
(وقد أجمع عقلاء كل أمة على النعيم لا يدرك بالنعيم ، وأن من آثر الراحة ، فاتته الراحة ، وأن بحسب ركوب الأهوال ، واحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة ، فلا فرحة لمن لا هم له ، ولا لذة لمن لا صبر له ،ولا نعيم لمن شقاء له ، ولا راحة لمن لا تعب له ، بل إذا تعب العبد قليلا ، استراح طويلا ، وإذا تحمل مشقة الصبر ساعة قادة لحياة الأبد ، وكل ماهو أهل النعيم المقيم فهو صبر ساعة ، والله المستعان ، ولا قوة إلا بالله .  
وكلما كانت النفوس أشرف ، والهمة أعلى ، كان تعب البدن أوفر ، وحظه من الراحة أقل ، كما قال المتنبى :
     وإذا النفــوس كــن كبارا                  تعبت فى مرادها الأجسام
وقال ابن الرومى :
قلــب يطل على أفكاره ويد                   تمضى الأمور ونفس لهوها التعب
وقال مسلم فى (( صحيحه )) : ( قال يحيى بن أبى كثير : (( لا ينال العلم براحة البدن )) ).
ولا ريب عند كل عاقل أن كمال الراحة بحسب التعب ، وكمال النعيم بحسب تحمل المشاق فى طريقه ، وإنما تخلص الراحة واللذة والنعيم فى دار السلام ، فأما فى هذه الدار فكلا ولما ) *اهـ .
قال الصديق أبوبكر رضى الله عنه : (( والله ما نمت فحملت ، ولا توهمت فسهوت ، وإنى لعلى السبيل ما زغت )) ، أى : شغلته حروب الرة والفتوح وإرساء جهاز دولة الخلافة إلى حد أنه لا يتسنى له أن يستغرق فى نومه ، ولا يتاح له أن يحلم .
وقالت فاطمة بنت عبد الملك فى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله : (( ما أعلم أنه اغتسل من جنابة ولا احتلام منذ استخلف )) .
وقال الإمام أحمد لابنه فى المحنة : (( يا بنى ! لقد أعطيت المجهود من نفسى )) .
وقال الشيخ محمد الخضر حسين ـــ رحمه الله ــ :
( كبير الهمة دوما فى عناء ، وهو أبدا فى نصب لا ينقضى ،وتعب لا يفرغ : لأن من علت همته وكبرت طلب العلوم من كل علم نهايته ، وهذا لا يحتمله البدن ، ثم يرى أن المراد العمل فيجتهد فى قيام الليل ،وصيام النهار،والجمع بين ذلك وبين العلم صعب ، ثم يرى ترك الدنيا ، ولا يحتاج إلى مالابد منه ، ويحب الإيثار،ولا يقدر على البخل ، ويتقاضاه الكرم البذل ، وتمنعه عزة النفس من الكسب من وجوه التبذل ، فإن هو جرى على طبعه من الكرم احتاج وافتقر ، وتأثر بدنه وعائلته ، وإن أمسك فطبعه يأبى ذلك ، ولكن تعب العالى الهمة راحة فى المعنى ، وراحة القصير الهمة تعب وشين إن كان ثمة فهم ) اهـ .
ومصداقة فى قول عبدالله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر :
 أرى نفسـى تتوق إلــى أمور                                ويقصـــر دون مبلغهـــن حالـــى    
فنفسـى لاتطاوعنــى ببخــــل                                 ومالــــى لا يبلغنـــــــى فعالــــى
وقيل للربيع بن خيثم : (( لو أرحت نفسك ؟ )) ، قال : (( راحتها أريد )) .
وربما  كان  مكروه  النفوس  إلى                                محبوبها سسببــا ما مثله سبــب
قال أحمد بن داود أبو سعيد الواسطى :
( دخلت على أحمد الحبس قبل الضرب ، فقلت له فى بعض كلامى :
(( يا أبا عبد الله : عليك عيال ، ولك صبيان ، وأنت معذور))ــ كأنى أسهل عليه الإجابة  ــ فقال لى أحمد بن حنبل : (( إن كان هذا عقلك يا أبا سعيد فقد استرحت )) .
وقد قيل للإمام أحمد : (( متى يجد العبد طعم الراحة ؟ )) فقال : (( عند أول قدم فى الجنة )) .
        آحزان قلبى لا تزول                             حتى  أبشر  بالقبول
        وأرى كتابى باليمين                              وتسر عينى بالرسول           
قال الأمير شمس المعالى قابوس : (( ابتناء المناقب باحتمال المتاعب ،وإحراز الذكر الجميل بالسعى فى الخطب الجليل )) .
ونحــــن أنـــاس لا توســـط عندنــا                        لنـــا الصدر دون العالمين أو القبر
تهــون علينـا فـى المعالــى نفوسنــا                       ومن خطب الحسناء لم يغله المهر
وقال أحدهم لما عوتب لشدة اجتهاده : (( إن الدنيا كانت ولم أكن فيها ، وستكون ولا أكون فيها ، ولا أحب أن أغبن أيامى )).
انفضــوا النـــوم وهبـــوا للعــلا                            فالعـلا وقــف على من لـم ينـم
فالصلاة خير من النوم ، والتجلد خير من التبلد ، و المنية خير من الدنية ، ومن عز بز :
فثـب وثبـة فيهـا المنايـا أو المنـى                           فكـــــــل محـــب للحيــاة ذليـــل   
فترى عالى الهمة منطلقا بثقة وقوة وإقدام نحو غايته التى حددها على بصيرة وعلم ، فيقتحم الأهوال ، ويستهين بالصعاب ، قال عمرو بن العاص ـــ رضى الله عنه ــ : (( عليكم بكل أمر مزلقة مهلكة )) أى : عليكم بجسام الأمور دون خسائسها .
وقال أمير المؤمنين معاوية ـــ رضى الله عنه ـــ : (( من طلب عظيما ، خاطر بعظيمته )) .